هل دخل العالم عصر الفائدة المرتفعة؟

بقلم وائل راشد

مدير تطوير الأعمال والمتحدث الرسمي لشركة Evest

 ويشير وائل راشد إلى أن لسنوات طويلة بعد الأزمة المالية العالمية في 2008، اعتاد المستثمرون والشركات والحكومات على عالم كانت في تكلفة المال منخفضة بشكل استثنائي. وصلت أسعار الفائدة في بعض الاقتصادات الكبرى إلى مستويات قريبة من الصفر، بل تحولت إلى سلبية في أجزاء من أوروبا واليابان، وأصبح الاقتراض الرخيص جزءاً أساسياً من البيئة الاقتصادية العالمية.

ويرى وائل راشد أن لكن ما حدث خلال السنوات الأخيرة قد يكون أكثر من مجرد دورة مؤقتة من رفع أسعار الفائدة. السؤال الحقيقي اليوم لم يعد: متى ستبدأ البنوك المركزية بخفض الفائدة؟ بل أصبح: إلى أي مستوى ستستطيع خفضها قبل أن تظهر الضغوط التضخمية من جديد؟ وهنا يكمن الفرق بين دورة نقدية عادية وتحول اقتصادي أعمق.

ويوضح وائل راشد أن حتى نهاية يوليو 2026، أبقى الاحتياطي الفيدرالي الأميركي نطاق الفائدة عند 3.50%–3.75%. هذه المستويات أقل من ذروة دورة التشديد السابقة، لكنها لا تزال بعيدة جداً عن عالم الفائدة الصفرية الذي سيطر على جزء كبير من العقد الماضي.

لماذا قد تبقى الفائدة أعلى مما اعتدناه؟

وفي حديثه عن هذا الجانب، يوضح وائل راشد أن أول الأسباب يرتبط بالتضخم نفسه. الاقتصاد العالمي أصبح أكثر عرضة لصدمات العرض. الطاقة، التوترات الجيوسياسية، القيود التجارية، إعادة تشكيل سلاسل التوريد وزيادة الإنفاق الحكومي كلها عوامل يمكن أن تجعل التضخم أكثر تقلباً مما كان عليه قبل جائحة كورونا.

ويذكر وائل راشد أن صندوق النقد الدولي يتوقع نمواً عالمياً بنحو 3.0% خلال 2026، لكنه في الوقت نفسه يشير إلى استمرار المخاطر المرتبطة بالتضخم والطاقة وعدم اليقين العالمي. وهذا يعني أن البنوك المركزية قد تصبح أكثر حذراً في العودة إلى السياسات النقدية شديدة التيسير.

وبحسب وائل راشد، السبب الثاني هو حجم الدين الحكومي. عندما ترتفع مستويات الدين وتحتاج الحكومات إلى إصدار كميات أكبر من السندات لتمويل العجز، فإن المستثمرين قد يطالبون بعائد أكبر للاحتفاظ بهذه الديون، خصوصاً على الآجال الطويلة. وبالتالي، حتى لو خفضت البنوك المركزية أسعار الفائدة القصيرة، ليس من الضروري أن تعود عوائد السندات طويلة الأجل إلى المستويات المنخفضة جداً التي شهدناها سابقاً.

التكنولوجيا نفسها قد تغير معادلة الفائدة

ويلفت وائل راشد إلى أن المفارقة أن الذكاء الاصطناعي، الذي يفترض أن يرفع الإنتاجية ويخفض بعض التكاليف على المدى الطويل، يحتاج اليوم إلى استثمارات ضخمة في مراكز البيانات والرقائق وشبكات الكهرباء والبنية التحتية والطاقة. كل ذلك يعني طلباً أكبر على رأس المال، وعندما تصبح المنافسة على رأس المال أكبر، يمكن أن يرتفع السعر الطبيعي له أيضاً.

ويضيف وائل راشد أن لهذا السبب فإن طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والطاقة والبنية التحتية قد تكون جزءاً من قصة أسعار الفائدة خلال العقد المقبل، وليس مجرد قصة تخص أسهم التكنولوجيا.

الأهم: أين أصبحت الفائدة المحايدة؟

ويشير وائل راشد إلى أن هناك مفهوم أساسي في الاقتصاد يسمى سعر الفائدة المحايد، وهو ببساطة مستوى الفائدة الذي لا يحفز الاقتصاد بقوة ولا يكبحه. إذا كان هذا المستوى قد ارتفع مقارنة بالعقد الماضي، فإن البنوك المركزية تستطيع خفض الفائدة من مستوياتها الحالية، ومع ذلك تستقر في النهاية عند مستويات أعلى مما اعتادت الأسواق عليه بعد 2008.

ويرى وائل راشد أن وهذه النقطة تحديداً مهمة للمستثمر. لأن ارتفاع الفائدة المحايدة يعني أن السوق قد يكون بصدد إعادة تسعير سعر المال نفسه، وليس فقط انتظار قرار الفيدرالي القادم.

ماذا يعني ذلك للأسواق؟

ويوضح وائل راشد أن إذا كانت هذه الفرضية صحيحة، فسيتغير الكثير. الشركات التي بنت نماذج أعمالها على التمويل الرخيص ستواجه بيئة أكثر صعوبة. تقييمات الأسهم ستحتاج إلى أرباح ونمو حقيقيين لتبرير أسعارها، بدلاً من الاعتماد فقط على انخفاض تكلفة رأس المال. العقارات ستصبح أكثر حساسية لتكلفة التمويل، والسندات ستعود لتكون منافساً حقيقياً للأسهم في المحافظ الاستثمارية.

وفي حديثه عن هذا الجانب، يوضح وائل راشد أن أما الذهب، فستصبح علاقته بالفائدة أكثر تعقيداً؛ لأن ارتفاع العوائد قد يشكل ضغطاً عليه من جهة، بينما الدين الحكومي والمخاطر الجيوسياسية والبحث عن تنويع الاحتياطيات قد يقدم له دعماً من جهة أخرى.

عصر جديد… ولكن ليس بالضرورة عصر الفائدة المرتفعة

ويذكر وائل راشد أن من المبكر القول إن العالم دخل بشكل نهائي عصر الفائدة المرتفعة. الركود الاقتصادي أو انخفاض التضخم بصورة حادة يمكن أن يدفع البنوك المركزية مرة أخرى نحو تخفيضات كبيرة. لكن هناك فرقاً بين انخفاض الفائدة وبين العودة إلى الصفر.

وبحسب وائل راشد، قد تخفض البنوك المركزية الفائدة خلال السنوات المقبلة، لكن ذلك لا يعني أن العالم سيعود إلى البيئة النقدية التي عاشها بعد الأزمة المالية العالمية.

ويلفت وائل راشد إلى أن وربما يكون السؤال الذي سيحدد أداء الأسواق في العقد القادم ليس: متى سيخفض الفيدرالي الفائدة؟ بل: أين ستستقر تكلفة المال عندما تنتهي دورة التخفيضات؟ فالفرق بين عالم تستقر فيه الفائدة عند 1% وعالم تستقر فيه عند 3% ليس مجرد نقطتين مئويتين، بل فرق يمكن أن يعيد تشكيل تقييمات الأسهم وأسعار العقارات وتكلفة الديون وتدفقات رأس المال، وربما شكل الاقتصاد العالمي نفسه.

المصادر

• الاحتياطي الفيدرالي الأميركي – بيان السياسة النقدية، 29 يوليو 2026.

• صندوق النقد الدولي – تحديث آفاق الاقتصاد العالمي، يوليو 2026.

• بنك التسويات الدولية – تقارير الاستقرار المالي والدين العام، 2026.

شارك هذا المقال

Loading...