هل تتحول أزمة الثقة بالذكاء الاصطناعي إلى أزمة في وول ستريت؟ تريليونات الدولارات أمام اختبار العوائد

بقلم: وائل راشد

مدير تطوير الأعمال والمتحدث الرسمي لدى Evest

في قراءة وائل راشد للمشهد، لم تعد التراجعات الأخيرة في أسهم الذكاء الاصطناعي مجرد حركة تصحيحية في قطاع التكنولوجيا الأميركي، بل أصبحت اختباراً لمدى قدرة وول ستريت على استيعاب أي تراجع في ثقة المستثمرين بالشركات التي قادت موجة الصعود خلال السنوات الماضية.

فالتحدي الحقيقي لا يتعلق بمستقبل الذكاء الاصطناعي بوصفه ثورة تكنولوجية، وإنما بحجم الأموال التي استثمرتها الشركات، والتقييمات السوقية التي بُنيت على توقعات أرباح مستقبلية قد تحتاج سنوات حتى تتحقق.

ومع تزايد المخاوف بشأن الإنفاق الرأسمالي الضخم، يبرز سؤال أكثر أهمية: ماذا يحدث للأسواق الأميركية إذا فقد المستثمرون الثقة في قدرة شركات الذكاء الاصطناعي على تحقيق العوائد المنتظرة؟

تركز كبير يجعل المؤشرات أكثر حساسية

وفي تحليل وائل راشد لتركّز السوق، تكشف الأرقام عن حجم ارتباط السوق الأميركي بشركات التكنولوجيا الكبرى. فبحسب بيانات S&P Dow Jones Indices بنهاية أكتوبر 2026، يمثل قطاع تكنولوجيا المعلومات نحو 37.4% من الوزن الإجمالي لمؤشر S&P 500، بينما يستحوذ قطاع خدمات الاتصالات على 8.4% إضافية.

أما مؤشر Nasdaq 100، فقد بلغت حصة قطاع التكنولوجيا فيه نحو 67% وفق بيانات سبتمبر 2026، ما يعكس حساسيته الكبيرة لتحركات الشركات المرتبطة بالتكنولوجيا وأشباه الموصلات.

وتشكل الشركات السبع الكبرى، المعروفة باسم Magnificent Seven، نحو 35% من الوزن الإجمالي لمؤشر S&P 500، رغم أن درجة ارتباط أعمالها بالذكاء الاصطناعي تختلف من شركة إلى أخرى.

هذه التركيبة تعني أن تراجع عدد محدود من الأسهم العملاقة يمكن أن يضغط على المؤشر بأكمله، حتى لو حافظت مئات الشركات الأخرى على استقرار أسعارها. ولتبسيط حجم التأثير، فإن انخفاض مجموعة شركات تمثل 35% من وزن المؤشر بنسبة 10% قد يؤدي حسابياً إلى خصم نحو 3.5 نقطة مئوية من أداء المؤشر، بافتراض ثبات أسعار بقية الشركات. وهذا مثال توضيحي وليس توقعاً للسوق.

لماذا بدأت الثقة تتراجع؟

وبحسب قراءة وائل راشد لتحركات أكتوبر، شهد أكتوبر موجة بيع واسعة في أسهم التكنولوجيا، مع تراجع قطاع تكنولوجيا المعلومات في S&P 500 بنسبة 6.8% خلال الشهر، في أكبر انخفاض شهري له منذ مارس 2025. لكن تسعة من قطاعات المؤشر الأحد عشر سجلت ارتفاعات، كما صعد أكثر من 70% من أسهم الشركات المدرجة ضمنه، ما ساعد المؤشر العام على الحد من خسارته الشهرية إلى أقل من 1%.

وهذه المفارقة تكشف أن المشكلة لم تكن انهياراً عاماً في أداء الشركات الأميركية، بل تركزت بدرجة أكبر في الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتقييمات المرتفعة.

وتعود المخاوف إلى تسارع الإنفاق على مراكز البيانات والرقائق المتقدمة والطاقة والبنية التحتية الرقمية، مقابل استمرار التساؤلات بشأن سرعة تحول هذه الاستثمارات إلى إيرادات وأرباح وتدفقات نقدية مستدامة. فالمستثمرون لم يعودوا يكتفون بإعلانات الشركات عن توسع استثماراتها، بل أصبحوا يطالبون بأدلة مالية تثبت جدوى هذه النفقات.

ماذا لو فقد المستثمرون الثقة؟

ويحدد وائل راشد ثلاثة مسارات محتملة للتداعيات. يمكن أن تنتقل التداعيات عبر ثلاث مراحل رئيسية. في المرحلة الأولى، قد تتعرض الشركات الكبرى لمزيد من إعادة تقييم أسعار أسهمها، خصوصاً إذا بدأت الأسواق بتخفيض توقعاتها للأرباح المستقبلية. ونظراً إلى الأوزان الكبيرة لهذه الشركات، فقد يمتد الأثر مباشرة إلى ناسداك وS&P 500 وصناديق الاستثمار المرتبطة بهما.

أما المرحلة الثانية، فقد تتمثل في انتقال الضغوط إلى شركات أشباه الموصلات وموردي المعدات والطاقة ومراكز البيانات، إذا قررت الشركات العملاقة تقليص إنفاقها الرأسمالي أو تأجيل مشاريع التوسع.

وتصبح المرحلة الثالثة الأكثر خطورة إذا تحولت خسائر الأسهم إلى تراجع أوسع في الثروة المالية وثقة المستهلكين والشركات، أو إلى تشدد في شروط التمويل، ما قد يضغط على الاستثمار والنمو الاقتصادي. لكن هذه المراحل ليست حتمية؛ فقد تظل التراجعات محصورة في الشركات ذات التقييمات المبالغ فيها، بينما تنتقل السيولة إلى قطاعات أخرى.

هل يتكرر سيناريو فقاعة الإنترنت؟

تعيد هذه التطورات إلى الأذهان أزمة شركات الإنترنت مطلع الألفية، عندما تراجعت الأسواق بقوة رغم أن التكنولوجيا نفسها واصلت تغيير الاقتصاد العالمي. إلا أن هناك اختلافاً جوهرياً؛ فشركات التكنولوجيا الكبرى اليوم تمتلك إيرادات ضخمة وأعمالاً قائمة وقدرات مالية أقوى بكثير من العديد من الشركات الناشئة التي قادت طفرة الإنترنت.

لذلك، فإن المقارنة التاريخية لا تعني توقع انهيار مماثل، لكنها تؤكد أن نجاح التكنولوجيا لا يضمن بالضرورة سلامة التقييمات السوقية.

من المستفيد إذا تغير اتجاه السيولة؟

قد يدفع استمرار الضغوط المستثمرين إلى إعادة توزيع محافظهم باتجاه قطاعات ذات تقييمات أقل وتدفقات نقدية مستقرة، مثل الرعاية الصحية والسلع الاستهلاكية وبعض الشركات الصناعية. كما قد يستفيد الذهب والسندات الحكومية من زيادة الطلب على التحوط إذا اتسعت المخاوف الاقتصادية، وإن كان اتجاه كل منهما سيظل مرتبطاً بالفائدة والدولار.

ويخلص وائل راشد في تحليله إلى النقطة التالية: في النهاية، لا يبدو أن الأسواق تواجه أزمة في مستقبل الذكاء الاصطناعي بقدر ما تواجه اختباراً للثقة في العوائد التي بُنيت عليها تقييمات شركاته. فحين يصبح عدد محدود من الشركات مسؤولاً عن جزء كبير من حركة المؤشرات، فإن السؤال لا يعود فقط عن مستقبل هذه الشركات، بل عن قدرة السوق الأميركي بأكمله على تحمل إعادة تسعيرها.

شارك هذا المقال

Loading...